عبد الغني ايرواني زاده / جمال طالبي

246

دراسات في الهجاء السياسي عند شعراء الشيعة ( دعبل الخزاعي ، السيد الحميري ، ديك الجن )

النّسيب وما يتلوه من وصف الناقة والصحراء والرحلة ، ولم يتأنّق في أشعاره ، وابتعد عن القوالب الغريبة ، ونظم أشعاره على الأوزان القصيرة . وأحياناً استغلّ دعبل في صورته الساخرة النقائص الجسمية والعيوب الخلقية في هجائه الساخر ليحيى بن أكثم حين ولى رجلين أعورين قضاء الجانبين الغربي والشرقي في بغداد . أنصت إليه وهو يقول : « 1 » رَأيْتُ مِنَ الكبَائِرِ قَاضِيِينِ * هُما أحْدُوثَةٌ فِي الخَافِقِينِ « 2 » هُمَا قْتَسَمَا العَمَى نِصْفَيْنِ قَدْرَاً * كمَا قْتَسَمَا قَضَاء الجَانِبَيْنِ وَتَحْسَبُ مِنْهُما مَنْ هَزَّ رَأسَاً * لِيَنْظُرَ فِي مَوارِيثٍ وَدَينِ كأنّك قَدْ جَعَلْتَ عَلَيْهِ دَنّاً * فَتَحْتَ بُزَالَهُ مِنْ فَرْدِ عَيْنِ « 3 » هُمَا فَألُ الزَّمَانِ بِهُلْك يَحْيَى * إذْ فْتَتَحَ القَضَاءَ بِأعْوَرَيْنِ « 4 » يصوّر الشاعر في المقطوعة المذكورة حال المجتمع وما انتهى إليه أمره في ظلّ حكامها وسوء سياستهم الإدارية ، كما أنّ الأبيات تحمل في مضمونها دعوةً صريحةً من الشاعر إلى الحكام نحو الإصلاح وتغيير عناصر الفساد ومنهم هذان القاضيان اللذان يمثّلان سياسة الحكام الذي عيّنهما يحيى بن أكثم فأطلق لنفسه العنان لتعيين الفاسدين على إدارة شؤون النّاس . ولا نشك بما سبق أن دعبلًا كان على حقٍّ فيما أظهر من مساوئ ومفاسد بعض القضاة . سبق أن أشرنا إلى الحديث الذي جرى بين المأمون وبين القاضي بشر بن الوليد لنستدلّ على أنّ المأمون كان راضياً عن يحيى بن أكثم ، والذي نريد أن نقول هنا هو أنّ المأمون قال في نهاية ذلك الحديث : « وددت أن يتأتى مائة قاضٍ مرضيين وأنّى أجوع يوماً وأشبع يوماً » . « 5 »

--> ( 1 ) - السابق ، ص 358 . ( 2 ) - الأحدوثة : ما يُتَحَدّث به ، ويقال : صار فلان أحدوثة : كثر فيه الحديث ، والحديث المُضحك أو الخرافة . ( 3 ) - الدنّ : وعاء ضخم للخمر ونحوها . البُزال : موضع البزل من إناء الخمر . ( 4 ) - الفأل : ضدّ الشؤم . ( 5 ) - ابن الجوزي ، ج - 10 ص 61 - 62 .